عمر البطش


عمر البطش..مؤسس الموشح الحديث

المقال من إعداد المؤرخ الموسيقي أحمد بوبس

 

       إذا كانت مدينة حلب قد عرفت بأنها مهد الموشح ومنطلقه في العصر الحديث ، فاشتهر مايسمى بالموشح الحلبي فإن ذلك يعود فضله إلى الموسيقي العبقري عمر البطش الذي يعتبر بحق عملاق الموشح العربي في القرن العشرين. أبدع خلال نصف قرن مجموعة بديعة من الموشحات ، إضافة إلى ابداعه في رقص السماح الذي جعل منه فناً راقياً

بعد أن طور فيه وأخرجه من إطاره الديني , وجعله فناً ً قائما بذاته. وأبدع فيه البطش وصلات وحركات جديدة لم يكن هذا الرقص يعرفه .

* ولادته ونشأته الموسيقية:

       ولد عمر البطش عام 1885م في حي الكلاسة بحلب . وكان والده ابراهيم البطش يعمل في حرق الحجارة الكلسية ، لاستخراج الكلس منها. فعمل عمر مع أبيه في بداية شبابه. أما علامات النبوغ الموسيقية فقد ظهرت عليه منذ طفولته. إذ امتلك صوتاً جميلاً . ومنذ صغره رافق خاله بكري القصير إلى حلقات الذكرالتي كان يرتادها كبار رجال الفن وأقطاب الغناء في ذلك العصر. وكان بكري القصير منشداً بارعاً فيها ، ورئيساً لنوبات إحدى الطرق الصوفية . وتعلم عمر من خاله بعض الألحان التي يتم ترديدها في حلقات الذكر والمجالس الدينية . فحفظ الكثير من التواشيح الدينية .

       بعد ذلك تتلمذ على ايدي أقطاب الموسيقا في حلب أمثال أحمد عقيل وأحمد مشهدي وأحمد الشعار والشيخ صالح الجذبة . وتعلم منهم المقامات الموسيقية والأوزان والايقاعات وأوزان رقص السماح وطرائقه .ليصبح عبقرياً في هذين الفنين (الموشح والسماح) .

       في عام 1905 التحق عمر البطش في الخدمة العسكرية في الجيش التركي . وشفعت له معرفته الموسيقية عند والي دمشق ، فضمه إلى الفرقة الموسيقية الخاصة به عازفاً على آلة الترومبيت . وبعد انتهاء خدمته العسكرية عمل ضارباً للايقاع في مسارح حلب وفرقها الموسيقية . وبدأ معها أولى مراحل التلحين . وأصبح المطربون يتوافدون إليه لغناء ألحانه . وغدا بقوة فنه وكثرة محفوظاته من الموشحات مرجعاً لكل الموسيقيين . فقد كان يحفظ أكثر من ألف موشح من الموشحات القديمة بكلماتها وألحانها. كما كان يحيط بجميع المقامات والأوزان والايقاعات الخاصة بالموشحات ورقص السماح ، حتى غدا حجة في هذين الفنين .

* رحلته إلى العراق :

       في عام 1912 سافر عمر البطش إلى العراق ضمن فرقة موسيقية ترأسها الشيخ علي الدرويش ، وهي الرحلة الوحيدة  للبطش خارج سورية . وزار مع الفرقة بغداد ، ثم توجهوا إلى المحمرة ( عربستان) بدعوة من أميرها خزعل . واستمرت رحلته مع الفرقة نحو سنة ونصف ، ليعود بعدها إلى حلب ويعمل ثانية ضارباً للايقاع . وتابع تلحين الموشحات إضافة إللى نشاطاته الأخرى وعمله في مهن مختلفة حتى يؤمن قوت أسرته .

* أستاذ وتلاميذ :

       في عام 1947 بدأت إذاعة دمشق ارسالها ، وتم افتتاح معهد موسيقي تابع لها. فاستدعاه فخري البارودي إلى دمشق لتدريس الموشحات ورقص السماح في المعهد ، والاستفادة من خبرته في إذاعة دمشق . وتتلمذ على يديه في المعهد مجموعة من الطلاب ، أصبحوا فيما بعد من اعلام تلحين الموشح في سورية . منهم الشقيقان عدنان وزهير منيني وسعيد فرحات وبهجت حسان الذي استدعاه البطش من حلب ليتابع دراسته الموسيقية في المعهد ، بعد ان لمس عنده موهبة لامعة في تلحين الموشحات . ومن تلاميذه أيضاً عمر العقاد خبير رقص السماح . واستمر في عمله في المعهد حتى أواخر عام 1949 ، حيث أغلق المعهد أبوابه بسبب الحملة التي تعرض لها من بعض المتزمتين ، فعاد إلى حلب .

       وفي حلب تتلمذعلى يديه الكثير من الموسيقيين . فقد قام بتدريس الموشح في معاهد حلب ، منها المعهد الذي أنشأه وأداره الدكتور فؤاد رجائي ومعهد حلب الموسيقي الذي كان يديره ماجد العمري . ومن طلاب البطش في حلب بهجت حسان وعبد القادر الحجار ومحمد نور عثمان من حمص .

       ومن أهم طلاب عمر البطش الفنان المصري سيد درويش . فقد زار سيد درويش سورية مع فرقته عام 1914 لتقديم بعض عروضه المسرحية . وفي حلب اتصل سيد درويش بعمر البطش . ولم يكن الشيخ سيد حتى تلك الزيارة يعرف تلحين الموشحات ، فتتلمذعلى يد عمر البطش ، وتعلم منه أساليب تلحين الموشح وأوزانه وايقاعاته . واستمرت إقامته في حلب سنتين وفي رواية أخرى أكثر من ذلك .

       وبعد أن عاد سيد درويش إلى مصر لحن مجموعة من الموشحات مثل ( ياشادي الألحان) و(منيتي عز اصطباري) و(يابهجة الروح) . والذي يستمع إلى هذه الموشحات يلمس لهجتها الموسيقية الحلبية التي تأثر بها سيد درويش في تلحين موشحاته . حتى ان كثيرين يظنون أن هذه الموشحات حلبية ، خاصة وأن عمر البطش أضاف إلى كل منها خانة لم تكن موجودة في الموشح الأصلي . وعل سبيل المثال ، أضاف البطش لموشح ( ياشادي الألحان) خانة تقول (هات يافنان اسمعنا.. نغمة الكردان) . والكردان هو مقام موسيقي لحن سيد درويش الموشح عليه .

       وعندما بدأت إذاعة حلب ارسالها عام 1949 ، استدعت إدارة الإذاعة عمر البطش ليقوم بتدريب كورس الإذاعة على غناء الموشحات . وكان من أفراد الكورس صبري مدلل وصباح فخري ومصطفى ماهر . واستمر في عمله في إذاعة حلب حتى رحيله . فأسدلت بذلك الستارة على مرحلة مهمة في الموشح . لكن عمر البطش بقي حاضراً في الوجدان الموسيقي من خلال موشحاته البديعة التي لاتزال تتردد حتى الآن عبر الفرق التراثية والأصوات الغنائية . ومن الذين غنوا موشحاته ، ولايزال بعضهم مستمراً صبري مدلل وصباح فخري وياسين محمود ومصطفى ماهر وعمر سرميني وعبود بشير …

       ولم يحقق عمر البطش أي كسب مادي من عمله وابداعه في الموسيقا . فقد كان هدفه خدمة فن الموشح الراقي دون النظر إلى أي كسب مادي . لذلك عاش حياة أقل من الكفاف. وعمل في مهن عديدة ليؤمن العيش له ولأسرته . فعمل في اطفاء حجارة الكلس مع والده وفي البناء مع عمه . وحول غرفة من بيته إلى دكان لبيع البقالة .

*عبقرية مدهشة :

       عبقرية عمر البطش أذهلت عمالقة الموسيقا العربية ، من ذلك أنه في عام 1932 زار الموسيقار محمد عبد الوهاب سورية . ويمم صوب عاصمة الطرب حلب لإقامة بعض الحفلات . وفي حلب التقى عبد الوهاب الشيخ علي الدرويش الذي يعرفه من القاهرة ، عندما كان الشيخ الدرويش يقوم بتدريس الموسيقا في معهد فؤاد الأول . وقام علي الدرويش بتعريف عبد الوهاب بعمر البطش عمر البطش الذي سمع الكثير عن عبقريته في تلحين الموشحات . وأراد الموسيقار الكبير أن يمتحن عمر البطش ، فطلب منه أن يسمعه موشحاً من مقام السيكاه الصافي  وهذا المقام لايستخدم في تلحين الموشحات لأنه مقام يناسب الألحان الشعبية . وكأن عبد الوهاب أراد بطلبه هذا احراج عمر البطش أو امتحانه . لكن البطش ودون أن يتردد لحظة واحدة أجاب عبد الوهاب أنه سيرتب له سهرة في ليلة اليوم التالي ، ويسمعه فيها موشحات من مقام السيكاه الصافي . وبعد ذهاب عبد الوهاب دار جدال حاد بين علي الدرويش وعمر البطش . إذ احتج علي الدروبش على هذا الموقف الحرج الذي وضعهم عمر البطش فيه ، إذ لاتوجد موشحات من مقام السيكاه . ورد البطش أنه يعرف ماذا يفعل .

       وأمضى عمر البطش تلك اليلة في تلحين موشح من مقام السيكاه هما (يامعير الغصن). وفي نهار اليوم التالي قام بتدريب تخت شرقي على عزف موسيقا الموشح . وفي سهرة نفس اليوم سمع محمد عبد الوهاب الموشح بصوت البطش الذي قدم الموشح على أنه لحن قديم . فدهش عبد الوهاب وأكبر في البطش حافظته القوية . ولو عرف الموسيقار الكبير حقيقة القصة لزاد اعجابه بعبقرية البطش الفذة وذكائه الحاد وسرعة البديهة القوية التي يتمتع بها ، إضافة إلى عبقريته في صياغة الألحان . وتذكر بعض المراجع أن البطش لحن موشحين من مقام السيكاه والموشح الثاني هو(رمى قلبي رشا أحور) لكن هذا الموشح من مقام الهزام . وبموشح (يامعير الغصن) فتح البطش الباب أمام الموسقيين العرب لتلحين الموشحات على مقام السيكاه . ومع ذلك إذا بحثنا عن الموشحات الملحنة على مقام السيكاه لوجدناها قليلة جداً .

       ومن صور عبقريته الأخرى أنه خلال قيامه بالتدريس في المعهد الموسيقي الملحق بإذاعة دمشق عام 1947 ، عهدت إدارة الإذاعة إلى الخبير الموسيقي التركي رفيق فرسان بإدارة المعهد . وفي إحدى الجلسات دار نقاش بينه وبين عمر البطش حول بعض المقامات الموسيقية المجهولة  ، والتي يعتقد الخبير التركي أنه لاعلم لغيره بها . فقام عمر البطش بانشاد بعض الموشحات من تلحينه على تلك المقامات المجهولة . فامتلكت الدهشة مشاعر الخبير التركي ، واعترف للبطش بقدراته الموسيقية الكبيرة ، وقال:(مادام هذا الفنان موجود هنا فلا حاجة لكم لمثلي) .

* ابداعه في الموشح :

       استحوذ فن الموشح على اهتمام عمر البطش، وملك عليه نفسه . فكانت جلّ ألحانه في هذا القالب . ولم يلحن غير الموشح إلا نادراً . وبلغ عدد الموشحات التي لحنها مئة وأربعة وثلاثين موشحاً ، وضاع ـ للأسف ـ قسم كبير منها ، وهي من عيون الموشحات العربية .وتقدم الموشحات عادة على شكل وصلات . كل وصلة تتألف من عدة موشحات على مقام موسيقي واحد . وتقدم الوصلة متصلة دون توقف أو انقثطاع .وقد ابدع عمر البطش وصلات كثيرة من الموشحات في مختلف المقامات والأوزان والايقاعات . منها وصلة من مقام اليكاه ضمت موشحات (صاح قم للحان)،(مفرد الحسن المبين)،(حسنك النشوان)،(مبرقع الجمال)، ووصلة من مقام الرصد ضمت موشحات (منيتي من رمت قربه)،(بات بدري وهو معتنقي)،(هذي المنازل)، ووصلة ثالثة من مقام النهوند ضمت موشحات (قلت لما غاب عني)،(ياناعس الأجفان)،(يامنى القلب)،(سبحان من صور حسنك)،(بدر حسن) . ومن مقام حجاز كار كرد موشحات (ياعيوناً راميات)،(يمر عجباً ويمشي)،(طال عمر الليل عندي)،(في الروض يختال الجميل)،(عذبوني مااستطعتم عذبوني)،(ياذاالقوام السمهري) ,ومن مقام النكريز( زارني تحت الغياهب) ،(ياقوام البان عنك صبري بان)،(بين قاسيون وربوة) وكلمات هذا الموشح لفخري البارودي ، ومن مقام الزنجران وصلة(طلعة البدر المنير)،(إذا دعانا الهوى)،(طاب يامحبوبي شربي) ، إضلفة إلى وصلات أخرى وموشحات مفردة على مقامات أخرى . وجميع موشحات البطش تقدم مع رقص السماح .

       وبعيداً عن قالب الموشح لحن عمر البطش في قالب الدور . والدور قالب غنائي مصري ، ومعظم ملحنيه من مصر.وخاض غمار التلحين فيه عدد من الموسيقيين السوريين منهم بكري الكردي وعدنان أبو الشامات والموسيقي الفلسطيني يحيى السعودي الذي أمضى حياته بعد نكبة فلسطين عام1948 في سورية . ولحن عمر البطش ثلاثة أدوار هي دور (ياقلبي مالك والغرام) من مقام حجاز كاركرد ، ودور(أنا لاأسلا حبيبي) من مقام عشيران ، ودور(ياقلبي افرح نلت الرام)من مقام الرصد .

*البطش ورقص السماح :

       كما أبدع عمر البطش في الموشح أبدع في رقص السماح . وهو أول من أخرج السماح من بيئته الدينية في الزوايا والتكايا ، وجعله فناً مستقلاً وعلمه لفرق المدارس . وكان الرجال مختصون وحدهم برقص السماح ، فجعله البطش رقصاً خاصاً بالفتيات والشباب ، وخلصه من الرتابة والشوائب التي خالطته ، وطور فيه ، لكنه لم يخرج به عن الاحتشام والاتزان . وابتكر وصلات مشبكة من رقص السماح من مقامات الرصد والبيات والحجاز ، وعلى أوزان طويلة نسبياً مثل المخمس والمحجر والمربع والمدور الشامي والسماعي الثقيل الدارج. ولم يسبقه أحد في ابتكار مثل هذه التشكيلات البديعة .

       ويعود لعمر البطش الفضل في نقل رقص السماح إلى دمشق .فرقص السماح فن حلبي خالص كما القدود وكما فاصل(اسق العطاش).

وفي الواقع. فإن الفضل في ذلك يعود أيضاً إلى الزعيم الوطني فخري الباارودي الذي كان وراء النهضة الموسيقية الكبيرة التي شهدتها دمشق في الأربعينات والخمسينات وحتى الستينات من القرن العشرين . وخلال إحدى زياراته إلى حلب شاهد رقص السماح من فرق حلب فافتتن به، وقرر أن ينقل هذا الفن الراقي إلى دمشق . وفي عام 1936 دعا فخري البارودي عمر البطش إلى دمشق ، ليعلم طالبات مدرسة دوحة الأدب رقص السماح . وبالفعل قام البطش بتشكيل فرقة من طالبات المدرسة ، ودربهن على فنون رقص السماح. وقدمت طالبات دوحة الأدب لوحات رقص السماح على ألحان الموشحات في الحفل المدرسي في نهاية العام الدراسي لذاك العام . وحضر الحفل رجال الدولة ووجهاء دمشق . وكان اعجابهم كبيراً .

       وفي عام 1947 عندما بدأت إذاعة دمشق ارسالها، وتم افتتاح معهد موسيقي تابع لها ، استدعى فخري البارودي عمر البطش إلى دمشق ثانية لتدريس الموشحات ورقص السماح في المعهد ـ كما ذكرناـ وقام عمر البطش بتشكيل فرقة لرقص السماح من طالبات جامعة دمشق . ضمت أربعاً وعشرين طالبة . وقدمت الفرقة حفلة رائعة على مدرج جامعة دمشق عام 1949 .

* رحيله :

       في مطلع عام 1950 بدأت صحة عمر البطش بالتراجع . وما لبث أن أصيب بالشلل ، ليرحل يوم الثنين الحادي عشر من كانون أول عام 1950 . وبذلك انطوت الصفحة الأخيرة من صفحات عبقرية نادراً مايجود بها الزمان . ولم ينل البطش في حياته حقه من التكريم والاهتمام . ولو أتيح له السفر إلى مصر والبلدان العربية الأخرى لشاعت موشحاته وترددت على كل لسان . لكنه أمضى كل حياته في سورية . ولم يسافر خارجها إلا مرة واحدة إلى العراق ـ كما ذكرنا ـ لكن العارفين بالموسيقا في الوطن العربي يدركون قيمة عمر البطش الموسيقية .

مراجع مساعدة :

1ـ من كنوزنا ـ د. فؤاد رجائي ـ حلب 1955 .

2ـ موسوعة أعلام الأدب والفن ـ أدهم آل الجندي ـ دمشق 1954 .

3ـ السماع عند العرب ـ مجدي العقيلي ـ دمشق

4ـ عمر البطش (أمير الموشح ورقص السماح) ـ دمشق ـ مهرجان                                     الأغنية السورية العاشرـ دمشق 2004 .

5 ـ الموسيقا في سورية ـ عدنان بن ذريل ـ دمشق ـ دار طلاس ـ طبعة ثانية 1989 .

6 ـ حلب بيت النغم ـ جميل ولاية ـ دمشق ـ دار طلاس 2008 .


log in

reset password

Back to
log in